المقريزي

190

المقفى الكبير

رَؤُفٌ رَحِيمٌ [ الحشر : 10 ] ، فمن لم يقل هذا لم يستحقّ . [ رواية أخرى لامتحانه عند الرشيد ] وذكر أبو الفرج محمد بن إسحاق - المعروف بأبي يعقوب ، النديم - في كتاب الفهرست ، قال : ظهر رجل من بني أبي لهب بناحية الغرب ، فحمل إلى هارون الرشيد ، ومعه محمّد بن إدريس الشافعيّ . فقال الرشيد للّهبي : سمت بك نفسك إلى هذا ؟ قال : وأيّ الرجلين كان أعلى ذكرا وأعظم قدرا ، أجدّي أم جدّك ؟ أنت ليس تعرف قصّة جدّك وما كان من أمره وأسمعه كلّ ما كره ، لأنّه استقبل « 1 » . ( قال ) فأمر بحبسه . ثمّ قال للشافعيّ : ما حملك على الخروج معه ؟ قال : أنا رجل أملقت ، وخرجت أضرب في البلاد طلبا للفضل ، فصحبته لذلك . فاستوهبه الفضل بن الربيع ، فأقام بمدينة السلام مدّة ولزم محمد بن الحسن حتّى كتب كتبه اه . وقال الربيع : سمعت الحميديّ يقول : لمّا أخذ حمّاد البربريّ الشافعيّ أحضره وأحضر جماعة معه ، فكان يقوم الرجل عريانا في سراويل ، فيقول أمير المؤمنين للفضل بن الربيع : « قل له يتكلّم » . فيقول له الفضل : « تكلّم ! » فإذا تكلّم يقول : « اضرب ! » فيضرب عنقه ، حتّى قام الشافعيّ عريانا في سراويل ، وقد كان استطلق بطنه من الليل - وكان إذا انطلق بطنه عذب لسانه . فقال أمير المؤمنين للفضل : قل له يتكلّم ! فتكلّم الشافعيّ بكلام لم يسمع مثله . فعجب أمير المؤمنين من حسن كلامه ، فقال للفضل : ويحك ! سمعت مثل هذا قطّ ؟ قل له يعيد ما قال . فأعاد عليه وزاد ، فكان فيما قال له : أصلح اللّه أمير المؤمنين ، لأن أكون مع قوم يرون أنّي من أنفسهم أحبّ إليّ من أن أكون مع قوم يرون أنّي عبد لهم . [ 150 ب ] قال : ألبسوه ثيابه ! - وأجازه بعشرة آلاف دينار في منديل . فحملها وضرب خيمة فبقي يطعم الناس . ولم تقلع الخيمة ، حتّى لم يبق معه منها شيء . ( قال ) : ورأيته في الحمّام وهو يجعل النخالة ليس فيها شيء إلّا الخشور « 2 » . وقال المزنيّ : سمعت الشافعيّ يقول : بعث إليّ هارون الرشيد في الليل بالربيع ، فقحم عليّ من غير إذن فقال : أجب ! فقلت له : في هذا الوقت ، وبغير إذن ! قال : بذلك أمرت . فخرجت معه ، فلمّا صرت بباب الدار قال لي : اجلس ، فلعلّه قد نام أو قد سكنت سورة غضبه . فدخل فوجد الرشيد منتصبا فقال : ما فعل محمّد بن إدريس ؟ قال : قد أحضرته . قال : فجئني به ! فخرجت فأدخلت إليه ، فلمّا مثلت بين يديه تأمّلني ثمّ قال : يا محمّد ، أرعبناك ، فانصرف راشدا . يا ربيع ، واحمل معه بدرة دراهم . قلت : لا حاجة لي فيها . قال : أقسمت عليك إلّا أخذته . ( قال ) : فحمل بين يديّ . فلمّا خرجت قال لي

--> ( 1 ) الرواية مضطربة ، والإصلاح من الفهرست 263 . ولم نفهم استقبل . نشر رضا تجدّد 263 . ( 2 ) الخشارة : فضلات المائدة ، وأيضا ما لا لبّ فيه من الشعير . هذا ، ولم نفهم : يجعل النخالة .